محمد هادي معرفة
90
التمهيد في علوم القرآن
المناقضة والاختلاف معجزا ، لمّا كان معتادا ، ومن حقّ ما يكون معجزا أن يكون ناقضا للعادة . وأيضا فإنّا نقول : جعلكم الوجه في إعجازه خلوّه عن المناقضة والاختلاف ليس علما ضروريا ، بل لا بدّ فيه من إقامة الدلالة ، فيجب على من قال هذه المقالة تصحيحها بالدلالة ، لتكون ، مقبولة ، وهم لم يفعلوا ذلك . المذهب الرابع : قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز اشتماله على الأمور الغيبيّة بخلاف غيره ، وهذا فاسد أيضا لأمرين : أمّا أوّلا : فلأنّ الإجماع منعقد على أنّ التحدّي واقع بجميع القرآن ، والمعلوم أنّ الحكم والآداب وسائر الأمثال ليس فيها شيء من الأمور الغيبيّة ، فكان يلزم على هذه المقالة أن لا يكون معجزا وهو محال . وأمّا ثانيا : فلأنّ ما قالوه يكون أعظم عذرا للعرب في عدم قدرتهم على معارضته ، فكان من حقّهم أن يقولوا : إنّا متمكّنون من معارضة القرآن ، ولكنه اشتمل على ما لا يمكننا معرفته ، من الأمور الغيبيّة ، فلمّا لم يقولوا ذلك دلّ على بطلان هذه المقالة . المذهب الخامس : قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز هو الفصاحة ، وفسّر الفصاحة بسلامة ألفاظه عن التعقيد الحاصل في مثل قول بعضهم : وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر وهذا فاسد لأمرين : أمّا أوّلا : فلأنّ أكثر كلام الناس خال عن التعقيد في الشعر ، والخطب ، والرسائل ، فيلزم كونها معجزة . وأمّا ثانيا : فلأنّه لو كان الأمر كما زعموه لم يفترق الحال بين قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى